درب الحب وحده هو درب الحياة

متفرقات

درب الحب وحده هو درب الحياة

ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر مساء السبت القداس الإلهي في كنيسة سيّدة البحيرة في كاستيل غاندولفو وللمناسبة ألقى الأب الأقدس عظة استهلها بالقول يسرّني أن أحتفل معكم بعيد سيّدة البحيرة، كما فعل في الماضي بعض أسلافي، ومنهم القدّيس بولس السادس، الذي تمنّى وشجّع على بناء هذه الكنيسة المكرّسة لمريم وكرّسها، والقدّيس يوحنّا بولس الثاني، الذي أراد هنا أن يستحضر ذكراها ويجدّد رسالتها.

تابع الأب الأقدس يقول تقدّم لنا ليتورجيا الكلمة نصوصًا تنسجم انسجامًا جميلًا مع هذا الموعد التقليدي. في القراءة الأولى، يحدّثنا النبي إرميا عن حاجته التي لا تقاوم إلى الاستجابة للدعوة التي تلقّاها: "قد خَدَعتَني، يا رَبُّ فانخَدَعت ...كانَ في قَلْبي كنارٍ مُحرِقَةٍ... فجَهَدَني إِمساكُهُ ولَم أَقْوَ على ذلك". لقد كشف له الله أنّه عرفه واختاره منذ حشا أمّه، وأنّه يحبّ شعبه حبًّا أبديًّا. وتحدّث إليه عن مخطّطه الخلاصي، فلم يعد بإمكانه أن يصمت. لقد شعر بدفع لا يمكن كبحه لكي يحمل رسالته إلى الجميع، مع علمه بأنّ ذلك سيقتضي منه أن يقول ويفعل أمورًا لن ترضي كثيرين، وأن يواجه الآلام وسوء الفهم، إلى أن يصبح "ضُحكَةً كُلَّ النَّهار". لكنّ المحبّة تدفعه إلى العمل من أجل خير شعبه، من دون مساومة، حتى النهاية.

أضاف الحبر الأعظم يقول وهذا ما يعلّمنا إيّاه يسوع أيضًا في الإنجيل. فقد أطعم منذ قليل خمسة آلاف رجل بخمسة أرغفة وسمكتين، ثم أطعم أربعة آلاف آخرين بسبعة أرغفة وقليل من السمك الصغير. والآن، بعيدًا عن النجاح الذي حقّقته تلك الأعمال، يشرح لتلاميذه معناها المسيحاني: ويكشف لهم "أَنَّه يَجِبُ علَيهِ أَن يَذهَبَ إِلى أُورَشَليم، ويُعانِيَ آلامًا شَديدة مِنَ الشُّيوخِ والأَحبار والكَتَبَة، ويُقتَلَ ويقومَ في اليومِ الثَّالث". ويشرح أنّه، بعد المعجزات الكثيرة التي صنعها، سيُظهر مجده بصورة نهائيّة، إذ سيضحّي بحياته طوعًا ، ويقدّم ذاته على الصليب خبزًا مكسورًا. ويؤكّد أنّ الأمر عينه ينبغي أن يفعله كلّ من يريد أن يواصل رسالته: "مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه ويَتبَعْني".

تابع الأب الأقدس يقول وهكذا يكشف لنا يسوع أنّ المحبّة وحدها تخلّص. إنّها المحبّة التي أظهرها الله لنا عندما صار إنسانًا، ومات وقام من أجلنا؛ وهي، جوابًا على ذلك، المحبّة التي بها نقدّم نحن أيضًا ذواتنا بتواضع له وللإخوة: في ثبات المحبّة الأمين في حياتنا اليوميّة، كما في المبادرات الاستثنائيّة، وصولًا أحيانًا إلى الاستشهاد، كما يحدث للأسف اليوم أيضًا لكثير من المسيحيّين في أنحاء مختلفة من العالم. لقد كان القدّيس أوغسطينوس يقول إنّ "فرح الحصّاد […] يكشف قصد الزارع"، ونحن نرغب في أن نتبنّى مشاعره: بعون الله، نريد أن ننثر في كلّ مكان في العالم بذور محبّته اللامتناهية، من دون كلل، ومن دون حدود، لكي يتمكّن أحد ما، اليوم ودائمًا، من أن يفرح عندما يحصد ثمارها.

أضاف الحبر الأعظم يقول لكن، للأسف، لا يفهم الجميع جمال هذا الحلم الذي يحمله الخالق، ولا صلاحه وواقعيّته، بل إنّ كثيرين يظنّونه أمرًا مثاليًّا. يقولون: إنَّ إدارة الخدّ الآخر هي تصرّف الخاسرين، والعطاء أمام الرفض هو سذاجة، والغفران بلا حدود هو ضعف. وليس في ذلك ما يثير العجب. فحتّى بطرس وجد صعوبة في قبول هذه الطريقة الجديدة والمختلفة في التفكير. لكنّ يسوع يبقى حاسمًا: درب الحب وحده هو درب الحياة. فلا نخدعنَّ أنفسنا. إنّ الكراهية والعنف لا يأتيان بأيّ خير، بل لا يجلبان دائمًا سوى الدمار والموت، حتّى عندما يكونان ردًّا على أشكال ظلم تعرّضنا لها. ونرى ذلك كلّ يوم، من تفاصيل حياتنا العائليّة الصغيرة إلى مسرح العالم الكبير. وكلّ شيء يؤكّد ما علّمنا إيّاه يسوع: "لأنَّ ٱلَّذي يُريدُ أَن يُخَلِّصَ حَياتَهُ، يَفقِدُها. وَأَمّا ٱلَّذي يَفقِدُ حَياتَهُ في سَبيلي، فَإِنَّهُ يَجِدُها".

تابع الأب الأقدس يقول أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، نحن في حاجة ماسّة إلى الحياة، وإلى الرجاء، وإلى الطمأنينة، وإلى السلام، في ذواتنا، وفي مدننا، وبين الشعوب والأمم. لذلك، مهما كان الجرح، ومهما كانت الإساءة، لا نسمحنَّ للشرّ بأن يشوّه إنسانيّتنا ويفسد قلوبنا! ولا نتشبّهنَّ بذهنيّة العالم. لنواصل المحبّة والعطاء والغفران، مقدّمين ذواتنا "ذَبيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسةً مَرْضِيَّةً عِندَ الله"، لكي نصون وننمّي، فينا وفي الآخرين، الكرامة اللامتناهية لصورة الله التي نحملها في نفوسنا. ولا نيأسنَّ أبدًا إذا كان الأمر صعبًا، فقوّتنا هي في الربّ، ومعونته تجعل كلّ شيء ممكنًا.

أضاف الحبر الأعظم يقول ويذكّرنا بذلك أيضًا التطواف في البحيرة الذي سنقوم به بعد قليل. فهو يستحضر معجزة أخرى ليسوع حدثت قبل الأحداث التي سمعنا عنها بقليل، عندما لحق المعلّم بتلاميذه الخائفين على بحيرة طبريّة، ماشيًا على المياه، وقادهم إلى الشاطئ بعدما أسكت العاصفة. ففي اللحظة التي بلغ فيها خوفهم ذروته، وهم تحت رحمة الرياح العاتية، حثّهم على الإيمان والصلاة، لكي يستعيدوا السلام، ويواصلوا معه الإبحار نحو الغاية المنشودة.

تابع الأب الأقدس يقول وبهذا الإيمان، نشارك هذا المساء في الاحتفال بالإفخارستيّا. وعلى المذبح نقدّم ذواتنا، مع الخبز والخمر. والربّ يوحّد تقدمتنا بتقدمته، ويقدّسها، ثم يعيدها إلينا، بعد أن يحوّلها إلى جسده ودمه، لكي نتقاسمها غذاءً في مسيرة الحياة. ثمّ، مثل التلاميذ، سنغادر الشاطئ معًا، حاملين معنا صورة مريم، مثالنا ومرشدتنا، لكي نحمل على ضفاف البحيرة البركة التي نلناها.

أضاف الحبر الأعظم يقول إنّها أعمال بسيطة، نُجدّد من خلالها ثقتنا بالله وتعبّدنا البنوي لأمّه الكليّة القداسة. وهي تكتسب دلالة أعمق لأنّها أصبحت ممكنة، كما كان القدّيس بولس السادس يحبّ أن يذكّر، بفضل العناية التي توليها الجماعة الصغيرة التي تعيش هنا، لحماية هذا المكان المسالم طوال العام، لكي يتمكّن شعب الله بأسره من أن يجتمع فيه في المناسبات الاحتفاليّة، تمامًا كما احتضنت مريم في حشاها وفي بيت الناصرة ابن الله الذي صار إنسانًا، لكي يصل خلاصه إلى الجميع.

تابع الأب الأقدس يقول وهكذا يصبح هذا المكان المكرّس للتعبّد المريمي أيضًا علامة على الطريقة التي تسعى بها الكنيسة، يومًا بعد يوم، إلى أن تجعل منّا جميعًا جسدًا واحدًا، في الصلاة، والمشاعر، والمقاصد، وفي النمو المنظّم والمتّحد لكياننا المشترك؛ كما يصبح رمزًا للمحبّة التي بها أراد الربّ، بواسطة أمّه الكليّة القداسة، أن يقترب منّا كواحد منّا، إلى درجة الاندماج في الحشد الكبير لإنسانيتنا.

وختم البابا لاوُن الرابع عشر عظته بالقول فلنتقرب إذن، هذه الليلة، من يسوع ومريم، من الابن ومن الأم، لكي نكون، متحدين، لا على البحيرة فحسب، بل في جميع ليالي العالم، انعكاسًا يبعث الطمأنينة لحضور الله، وصدى لا يُقاوم لمحبّته التي تدعونا لكي نُحِبّ.

إذاعة الفاتيكان